بوابة صيدا ـ بينما كانت المدافع تدك قلاع المدينة المنورة عام 1916م، وكان الشريف حسين يظن أنه يخط بالرصاص أول سطر في كتاب "المملكة العربية الكبرى"، كانت طاولات لندن وباريس السرية تصيغ أكبر خديعة جراحية في التاريخ الحديث!
من خلف وعود مكماهون البراقة وعباءة "لورنس العرب"، جرى استغلال الدم العربي لكسر الخلافة العثمانية، ليفاجأ العرب بطعنة "سايكس بيكو" ووعد بلفور في الظهر.
تعيد "بوابة صيدا" تفكيك الصندوق الأسود لحصار المدينة، لنكشف لكم كواليس الغدر الاستعماري الذي مزق المشرق إلى أشلاء.
شهدت المدينة المنورة في بداية القرن العشرين، وخلال الحرب العالمية الأولى، أطول حصار في تاريخها.
فقد كانت المدينة حتى ذلك الحين تتبع الدولة العثمانية، ويقيم فيها حاكمًا عثمانيًا، كان في تلك الفترة فخري باشا، وعندما أعلن الشريف حسين بن علي، شريف مكة، الثورة على الحكم العثماني باسم العرب، سار بقواته وضرب حصارًا على المدينة المنورة تمهيدًا لطرد العثمانيين منها.
لم يكن حصار المدينة المنورة مجرد معركة عسكرية عابرة، بل كان هدفاً استراتيجياً يحمل أبعاداً رمزية وسياسية فائقة الأهمية للشريف حسين.
كان الشريف حسين يدرك أن إعلان نفسه قائداً للنهضة العربية والتحرر من العثمانيين يتطلب السيطرة على الحرمين الشريفين (مكة المكرمة والمدينة المنورة) السيطرة على المدينة كانت ستسحب البساط الديني من تحت أقدام الخلافة العثمانية وتمنحه شرعية إسلامية مطلقة أمام الرأي العام العربي والعالمي.
و كانت المدينة المنورة هي المحطة النهائية لـ "سكة حديد الحجاز" الاستراتيجية التي تربطها بدمشق وإسطنبول. السيطرة على المدينة تعني قطع شريان الإمداد العسكري واللوجستي العثماني بالكامل عن شبه الجزيرة العربية، وعزل القوات العثمانية في اليمن وعسير.
استغلت القوى الاستعمارية الكبرى (بريطانيا وفرنسا) رغبة الشريف حسين في التحرر والتأسيس لدولة عربية كبرى، ووظفتها لخدمة مصالحها في الحرب العالمية الأولى.
قادت بريطانيا (عبر السير هنري مكماهون، المعتمد البريطاني في مصر) مفاوضات سرية مع الشريف حسين (1915 - 1916)، وعدت لندن خلال المفاوضات الشريف بالاعتراف باستقلال العرب وتأسيس "دولة عربية موحدة" تشمل شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق، مقابل إعلان الثورة لفتح جبهة داخلية تستنزف الجيش العثماني الحليف لألمانيا.
و أرسل الحلفاء مستشارين عسكريين وخبراء استخبارات لدعم جيش الشريف (الذي قاده أبناؤه الأمير فيصل والأمير عبد الله)، وكان أبرزهم الضابط البريطاني الشهير (لورنس العرب)، والبعثة العسكرية الفرنسية بقيادة الكولونيل "إدوارد بريمون".
كان الهدف الحقيقي للحلفاء ليس تمكين العرب، بل تخريب خطوط السكك الحديدية وشل حركة العثمانيين دون السماح للعرب ببناء جيش نظامي قوي يهدد المصالح الاستعمارية لاحقاً.
اصطدمت طموحات الشريف حسين بعقبة عسكرية شرسة تمثلت في القائد العثماني المحنك "فخري باشا" (الملقب بنمر الصحراء)، الذي رفض تسليم المدينة واستمات في الدفاع عنها..
وبينما كانت بريطانيا تعد الشريف حسين بالدولة الموحدة، كانت تقتسم وراء ظهره مع فرنسا (عبر الدبلوماسيين مارك سايكس وجورج بيكو) بلاد الشام والعراق إلى مناطق نفوذ وانتداب استعماري.
و طعن الحلفاء طموح الشريف حسين في الصميم بإصدار بريطانيا على حين غفلة منه، وعداً بإقامة "وطن قومي لليهود في فلسطين"، وهي المنطقة التي كان الشريف حسين يراها جزءاً لا يتجزأ من دولته العربية الموعودة.
تمكن فخري باشا من صد قوات الشريف حسين من سنة 1916 حتى سنة 1919، لكنه اضطر للاستسلام في نهاية المطاف في 10 كانون الثاني / يناير 1919م (8 ربيع الثاني 1337هـ).
تأسست "المملكة الحجازية الهاشمية" بقيادة الشريف حسين، لكنها لم تستمر طويلاً، إذ تخلت بريطانيا عن الشريف حسين تماماً، و هذا الأمر مهد الطريق لصعود السلطان عبد العزيز آل سعود الذي ضم الحجاز ووحد الجزيرة العربية تحت اسم "المملكة العربية السعودية".
و شرعنت الدول الكبرى الانتداب (الاحتلال) رسميًا، وتم طرد الأمير فيصل بن الشريف حسين من دمشق بالقوة العسكرية الفرنسية، وجرى تمزيق المشرق العربي إلى دويلات صغيرة تخضع للمستعمر.
كنوع من التعويض والترضية السياسية لأبناء الشريف حسين، وعملاً بسياسة "توزيع المغانم"، ساعدت بريطانيا في تأسيس نظم ملكية هاشمية في الأقاليم التي اقتطعتها؛ فنُصب الأمير فيصل ملكاً على العراق، ونُصب الأمير عبد الله أميراً (ثم ملكاً) على شرق الأردن.
ـــــــــــــ
إقرأ أيضاً
وفاة الزعيم المصري سعد زغلول.. الذي استُقبِل بعد عودته من المنفى بخلع الحجاب ودوسه بالأقدام
محاولة اغتيال علي الخامنئي أثناء إلقاء محاضرة في مسجد أبو ذر في طهران..