بوابة صيدا ـ في مثل هذا اليوم، 30 ايار / مايو 1431م (10 رمضان 834هـ) صعدت الفتاة التي أرعبت جيوش الإمبراطورية الإنجليزية إلى منصة الإعدام حرقاً وهي لم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها!
"جان دارك"... "عذراء أورليان" التي منحت فرنسا عرشها بـ "رؤى السماء" وبأس السلاح، وقعت ضحية مؤامرة سياسية قذرة ومحاكمة كنسية صورية بتهمة "الهرطقة".
تعيد "بوابة صيدا" فتح الصندوق الأسود لعام 1431م لنكشف لكم كيف بيعت البطلة الوطنية بالمال وسط صمت ملكها، وكيف تحول رماد جسدها المحترق في نهر السين إلى وقودٍ وطني طرد المستعمر وصاغ هوية فرنسا الحديثة!
تحولت "جان دارك"... الفتاة القروية البسيطة من "عذراء أورليان" ورمز النصر الفرنسي إلى ضحية للمؤامرات السياسية والمحاكمات الصورية. ولدت لعائلة من الفلاحين في قرية صغيرة تُدعى دومريميه الواقعة آنذاك في دوقية بار، أو ما يُعرف حالياً بإقليم فوج في منطقة لورين غرب نهر الميز في الوسط الشرقي من فرنسا عام 1412م.
كانت فرنسا تعيش واحدة من أحلك فتراتها التاريخية، إذ كانت أجزاء واسعة من الشمال (بما فيها باريس) تحت سيطرة الإنجليز وحلفائهم "البرغنديين"، وكان العرش الفرنسي متنازعاً عليه، والشعب يعاني من ويلات الحرب والفقر.
في هذا التوقيت (عام 1429م)، ظهرت الفتاة ذات الـ17 عاماً، "جان دارك"، مدعية بأنها رأت الله في رؤيا يأمرها بدعم شارل السابع واستعادة فرنسا من السيطرة الإنجليزية في أواخر حرب المئة عام بين مملكتي فرنسا وإنجلترا.
نجحت "جان" في بث روح حماسية منقطعة النظير في نفوس الجنود المحبطين، وقادت الجيش الفرنسي لرفع الحصار عن مدينة "أورليان الاستراتيجية".
وقلبت "جان" الصراع الإنجليزي الفرنسي الطويل حرباً دينيةً فور وصولها.. وحققت عدة انتصارات، وهذا ما قاله ريتشي: "لقد قادت الجيش إلى سلسلة من الانتصارات المذهلة التي غيّرت من مجرى الحرب" وأدّت الانتصارات التي حققتها جان دارك إلى تتويج شارل السابع في ريمس في 17 تموز / يوليو 1429م (6 شوال 832هـ).
رحلت "جان" إلى كومبيين للمساعدة في الدفاع عن المدينة في وجه الحصار الإنجليزي البورغندي المشترك، و أدى وقوع اشتباك بين الطرفين في 23 ايار / مايو 1430م (21 شعبان 833هـ) إلى وقوعها في الأسر بعدما حاولت قواتها الهجوم على أحد معسكرات البورغنديين (حلفاء إنجلترا من الفرنسيين).
حاولت "جان" الهرب عدّة مرات، قفزت في إحدى هذه المحاولات من برج يبلغ ارتفاعه 21 متراً، ليتم نقلها إلى مدينة أراس البورغندية.
باع البرغنديون "جان دارك" إلى الإنجليز مقابل مبلغ مالي ضخم (10 آلاف فرنك)، والصادم تاريخياً أن الملك الفرنسي شارل السابع، الذي تدين له جان بعرشه، لم يحرك ساكناً ولم يحاول فديتها أو إنقاذها، خوفاً من النفوذ المتزايد لشعبيتها.
و لإلغاء الشرعية السياسية والدينية عن الانتصارات الفرنسية وعن تتوّيج الملك شارل السابع، قرر الإنجليز محاكمة "جان دارك" عبر محكمة كنسية خاضعة لنفوذهم في مدينة "روان" (معقل الإنجليز في نورماندي).
بدأت الإجراءات القانونية لمحاكمة جان دارك في 9 كانون الثاني / يناير 1431م (16 ربيع الثاني 834هـ) و قاد المحاكمة الأسقف "بيير كوشون" الموالي تماماً للإنجليز، و وُجهت لـ "جان" أكثر من 70 تهمة، أبرزها "الهرطقة، السحر، وارتداء ملابس الرجال" (وهو ما كان يعتبر خطيئة دينية آنذاك).
عُزلت الفتاة في زنزانة عسكرية تحت حراسة مشددة من جنود إنجليز (خلافاً للقانون الكنسي الذي يفرض وضع النساء في سجون الكنيسة تحت إشراف راهبات)، وتعرضت لضغط نفسي وجسدي هائل لانتزاع اعترافات منها.
قالت "جان دارك" أثناء محاكمتها أنّ عمرها 19 عاماً، كما قالت أنها رأت أول رؤيا لها عام 1424م عندما كانت في الثانية عشرة من عمرها، حيث رأت عندما كانت وحيدةً في أحد الحقول رئيس الملائكة ميخائيل، وكاترينا الإسكندرانية، والقديسة مارغريت الذين طلبوا منها إجلاء الإنجليز من البلاد وإعادة ولي العهد إلى ريمس من أجل تتويجه ملكاً. وقالت جان دارك بأنها بكت حين غادروا، إذ كانوا غايةً في الجمال.
وقد بيّن سجل محاكمة جان دارك ذكاءً ودقةً ملحوظة اتصفت بهما، ولعل أشهر ما يدل على ذلك سؤالاً وجّه لها كان "هل تعرفين إذا ما كنتِ بنعمة من الله؟" وكانت إجابتها: "إذا لم أكن، فلعلّ الله يضعني هناك. وإذا كنت، فلعلّ الله يحفظني".
كان هذا السؤال فخاً فاشلاً من علماء الدين، حيث أن عقيدة الكنيسة تقول أنه لا يوجد أحد يعلم يقيناً إذا ما كان بنعمة من الله. فإن أجابت "جان" بـ "نعم"، تكون قد أدانت نفسها بتهمة الهرطقة، وإن أجابت بـ "لا" تكون قد اعترفت بذنبها.
قال كاتب العدل الذي كان متواجداً حينها أنه في اللحظة التي استمعت فيها المحكمة إلى هذا الرد "شعر الذين كانوا يستجوبونها بالذهول".
في صباح 30 أيار / مايو 1431م (10 رمضان 834هـ) سُيقت "جان" إلى ساحة السوق القديم في روان، و رُبطت بعمودٍ خشبي طويل، وقبل إضرام النار فيها طلبت من كاهنين هُما: الأب "مارتن لادفينو" و الأب "إيسمبارت دي لا بيير" أن ينصبا صليبًا مُقابلها، كما قام جُندي إنجليزي بصنع صليبٍ صغير وضعته قرب ثوبها.
أُحرقت "جان" حية أمام الحشود وهي تصرخ باسم "عيسى"، وبعد موتها، قام الجنود الإنجليز بإزالة الحطب المُتفحِّم ليكشفوا جسدها المُتفحِّم كي لا يقول أحد العامَّة أنها هربت بمُعجزة دون أن يُصيبها ضرر، ثُمَّ أُحرقت الجُثَّة مرَّتين حتى استحالت رمادًا، في سبيل منع الناس من الاحتفاظ بأيِّ أثرٍ من الفتاة يتخذونه للتبرُّك، ثمَّ قام الإنجليز برمي الرَّماد في نهر السين من على الجسر الوحيد المُسمّى "ماتيلدا" لضمان عدم تحول قبرها إلى مزار.
تحولت "جان دارك" بموتها من قائدة عسكرية إلى "شهيدة ورمز وطني مقدس" وحّد الفرنسيين، وبموتها اشتعلت جذوة المقاومة مجدداً، ونجح الجيش الفرنسي في طرد الإنجليز نهائياً من البلاد وإنهاء حرب المئة عام، عام 1453م.
بعد 25 عاماً من إعدامها (عام 1456م) أعادت الكنيسة الكاثوليكية بطلب من والدتها والملك شارل السابع فتح الملف، وأعلنت براءتها التامة من تهمة الهرطقة ووصف المحاكمة الأولى بأنها كانت "مليئة بالظلم والفساد".
تم تطويب جان دارك عام 1909م، و في عام 1920، أعلن البابا بندكت الخامس عشر "جان دارك"، "قديسة"، لتصبح الشفيعة الرسمية لجمهورية فرنسا ورمزاً عالمياً للتضحية والشجاعة في مواجهة الظلم والاحتلال.
ــــــــــــ
إقرأ ايضاُ
المسيحيون يقتلون بعضهم.. البروتستانت ضحايا التعصب الكاثوليكي
الطالب جافريللو برنسيب يغتال ولي عهد النمسا وزوجته.. ويتسبب بالحرب العالمية الأولى