بوابة صيدا ـ في دفاتر الصراع الأندلسي معاركُ غيّرت الخرائط، وأخرى هزّت الممالك، لكنَّ قليلاً منها ما امتلك القوة لقطع أنساب الملوك وتفجير عروشِ الإمبراطوريات من الداخل.
في 16 شوال 501 هـ(2 حزيران ـ يونيو سنة 1108م) لم يكن حصن "أقليش" مجرد رقعة جغرافية تتصادم فوقها السيوف، بل تحول إلى مقبرة جماعية كبرى كُسرت فيها غطرسة الفروسية الأوروبية تحت أقدام جيش المرابطين الصارم.
في تلك الليلة الملحمية، لم يَعُد قادة قشتالة بنصرٍ موهوم، بل ارتدّت خيولهم تحمل جثة الأمير الصغير، وريث العرش الوحيد، ومعه سبعة من أعظم كونتات ونبلاء المملكة الذين أُبيدوا في كمينٍ تكتيكي قاتل.
تفتح "بوابة صيدا" اليوم التاريخ المنسي لـ "معركة الكونتات السبعة" لنكشف لكم كواليس الخديعة العسكرية التي أدارها تميم بن يوسف بن تاشفين، وكيف تحول النصر القشتالي الخاطف إلى مصيدة دموية غرق فيها كبرياء ألفونسو السادس، ليترك مملكته في مهب الحرب الأهلية والحزن المُر الذي أبكى عروش أوروبا.
في سنة 498هـ، أغارت قوات ألفونسو السادس ملك قشتالة في 3500 مقاتل على أحواز إشبيلية، وعاثت فيها واستولت على الكثير من الغنائم والسبي، فخرج لهم سير بن أبي بكر والي إشبيلية ومعه قوات محمد بن الحاج والي غرناطة حينئذ، وردّوهم على أعقابهم، وقتلوا منهم نحو 1500 مقاتل.
انشغل المرابطون بعد ذلك حيث مرض قائدهم يوسف بن تاشفين مرض موته، حتى وافاه أجله في 1 محرم 500هـ، (8 أيلول / سبتمبر 1106م) وخلفه ولده علي بن يوسف. وبعد أن رتّب علي دولته، أمر أخاه تميم بن يوسف باستئناف الجهاد.
خرج تميم من غرناطة في 25 رمضان 501 هـ/ 14 أيار ـ مايو 1108م نحو جيّان حتى وافته قوات قرطبة بقيادة محمد بن أبى رنق، ثم سار إلى بيّاسة ومنها إلى أراضي قشتالة، وفي الطريق لحقته قوات مرسية بقيادة محمد بن عائشة، وقوات بلنسية بقيادة محمد بن فاطمة، ثم اتجهوا صوب بلدة أقليش الحصينة، فوصلوها في 8 شوال 501 هـ/27 أيار ـ مايو 1108م، وحاصروها بقوة، فسقطت في أيديهم في اليوم التالي.
بعد أن دخل المرابطون المدينة، فر المقاتلة إلى حصن "أقليش"، وامتنعوا به، واستنجدوا بألفونسو السادس الذي لبى نداء المستنجدين به بأن أرسل قوات يقودها قائده "ألبار هانس"، ومعه ولي العهد "سانشو" الفتى الصغير (كان عمره قرابة 11 عاماً) ومُؤدّبه القائد المحنك الكونت "غارسيا أردونيث" وعدد من كونتات قشتالة.
هنا لابد من توضيح أمر مهم، أن ولي العهد "سانشو" والدته تدعى "زائدة" هي زوجة "أبو نصر الفتح بن المعتمد بن عبّاد" (الملقب بالمأمون) و "المعتمد بن عبّاد" كان ملك إشبيلية، وهي دولة من دويلات الطوائف. عندما هاجم المرابطون مملكة إشبيلية في عام 1091 هربت "زائدة" زوجة "الفتح" إلى مملكة قشتالة حاملة معها أولادها (من المأمون)، وخدمها، وهناك استقبلها ألفونسو السادس ملك قشتالة، ثم أُعجب بها ألفونسو وتزوجها، وتنصَّرت وتنصَّر أولادها، وخدمها معها.. و توفيت "زائدة" المتنصرة في عام 1097 أو 1098 أثناء ولادة "سانشو" ولدها الوحيد من ألفونسو، وولي عهده..
بدأ المرابطون بحصار الحصن، وعندما اقترب الجيش القشتالي (جيش النجدة) رتّب تميم بن يوسف صفوف جيشه مستخدماً التكتيك المرابطي التقليدي (الصفوف المتراصة مدعومة بسلاح المتطوعة والفرسان على الأجنحة).
اختلفت الروايات الإسلامية في تقدير أعداد الجيش القشتالي، فذهب ابن القطان في كتابه "نظم الجُمان لترتيب ما سلف من أخبار الزمان" إلى أن قوام الجيش القشتالي كان 10.000 فارس، فيما قدّره ابن عذاري بـ 7.000 فارس، بينما قدّر المؤرخ الإسباني المعاصر فرانشيسكو غارسيا فيتث الجيش القشتالي بأكثر من 3.000 مقاتل، والمرابطون نحو 2.300 مقاتل.
بدأت المعركة في 16 شوال 501 هـ (2 حزيران ـ يونيو 1108م) اندفع الفرسان القشتاليون في هجوم عنيف نجح في زحزحة قلب الجيش المرابطي في البداية. لكن القيادة المرابطية استغلت هذا الاندفاع وأمرت الأجنحة بالالتفاف السريع وتطويق القشتاليين من الخلف والجانبين.
قام المرابطون بهجوم معاكس بقيادة ابن أبى رنق، وتبعته قوات مرسية وبلنسية، ثم قوات تميم، ودار قتال عنيف، سرعان ما دارت فيه الدائرة على الجيش القشتالي، و تحولت المعركة إلى مصيدة محكمة؛ حيث حوصر القشتاليون في أرض مكشوفة، واختلت خطوطهم تحت وطأة ضربات السهام وضغط الفرسان المسلمين، مما أدى إلى انهيار كامل في صفوف جيش قشتالة.
قُتل في أرض المعركة وفي رحلة الفرار سبعة من أعظم كونتات وقادة مملكة قشتالة وليون (ومن هنا جاءت التسمية)، وعلى رأسهم الكونت "غارسيا أوردونيز"، الذي استبسل في الدفاع عن ولي العهد الصغير.
حاول قادة النبلاء تهريب الأمير الشاب سانشو نحو حصن "بيلش"، لكن مجموعة من المقاتلين المسلمين تعقبتهم، وقُتل الأمير الصغير خلال المواجهة، مما شكل الصدمة الأكبر للمملكة.
فُتحت أبواب حصن أقليش للمرابطين بعد انكسار جيش النجدة، وغنم المسلمون عتاداً كبيراً.
وكان مقتل الأمير سانشو، الابن الذكر الوحيد للملك ألفونسو السادس، ضربة قاصمة لخط وراثة العرش، و توفي الملك ألفونسو بعد المعركة بقرابة عام واحد (1109م) حزناً على ابنه، ودخلت مملكة قشتالة في أزمة سياسية حادة وحرب أهلية حول وراثة العرش بين ابنته "أوراكا" وزوجها ألفونسو المحارب (ملك أراغون).
عزز النصر نفوذ المرابطين في شرق الأندلس ووسطها، وشلّ القدرة الهجومية لقشتالة لعدة سنوات، مما أتاح للمسلمين استعادة بلدات وحصون أخرى بمحيط طليطلة، وتأمين حوض نهر تاجه لفترة من الزمن.
و رسخت المعركة الرهبة العسكرية الشديدة من بأس الجيش المرابطي ونظامه الصارم، وأثبتت أن المرابطين يمتلكون تكتيكات تفوق الفروسية التقليدية الأوروبية في ذلك الوقت.
ــــــــــــ
إقرأ أيضاً
تيمورلنك يزحف بقواته الجرارة.. ويرتكب المجازر في بلاد المسلمين
محاولة اغتيال علي الخامنئي أثناء إلقاء محاضرة في مسجد أبو ذر في طهران..