أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الْبَرَاءَ بْنِ عَازِبٍ رضي اللَّه عنه قَالَ: لَمَّا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ نَحْفِرَ الْخَنْدَقَ، عَرَضَ لَنَا فِيهِ حَجَرٌ لَا يَأْخُذُ فِيهِ الْمِعْوَلَ (أي لا تُؤَثِّرُ فيه)، فَاشْتَكَيْنَا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَأَلْقى ثَوْبَهُ، وَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، وَقَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ" فَضَرَبَ ضَرْبَةً فكَسَرَ ثُلُثَ الصَّخْرَةِ، قَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ الْآنَ مِنْ مَكَانِي هَذَا"، ثُمَّ ضَرَبَ أُخْرَى، وَقَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ" وَكَسَرَ ثُلُثًا آخَرَ، وَقَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ الْمَدَائِنِ الْأَبْيَضَ الْآنَ"، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ، وَقَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ" فَقَطَعَ الْحَجَرَ، وَقَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ بَابَ صَنْعَاءَ".
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (18694) - وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب السير - باب حفر الخندق - رقم الحديث (8807) - وحَسَّنَ إسنادَهُ الحافظُ في الفتح (8/ 154)]
وَقَدْ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِيمَا قَالَ، وَلَمْ يَمْضِ عَلَى هَذهِ الْحَادِثَةِ إِلَّا نَحْوُ رُبْعِ قَرْنٍ حَتَّى فُتِحَتْ هَذِهِ الْبِلَادُ كُلُّهَا، فَفِي السَّنَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ بَعْدَ هَذَا الْحَادِثِ بِتِسْعِ سِنِينٍ وَقَعَتْ مَعْرَكَةُ الْيَرْمُوكِ الْعَظِيمَةُ وَالتِي قَادَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ رضي اللَّه عنه وَهُزِمَ فِيهَا الرُّومُ، وَفُتِحَتْ الشَّامُ.
وَفِي السَّنَةِ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ بَعْدَ هَذَا الْحَادِثِ بِعَشْرِ سِنِينٍ، وَقَعَتْ مَعْرَكَةُ القادِسِيَّةِ الْعَظِيمَةُ بِقِيَادَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ -رضي اللَّه عنه-، وَهُزِمَ فِيهَا الْفُرْسُ هَزِيمَةً نَكْرَاءَ، وَفُتِحَتْ فِيهَا بِلَادُ الْعِرَاقِ.
أَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَإِنَّهُ لَمَّا بَشَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وسلم أَصْحَابَهُ بِالْفتْحِ، قَالُوا: أَلَا تَعْجَبُونَ يُحَدِّثُكُمْ وَيُمَنِّيكُمْ وَيَعِدُكُمْ بِالبَاطِلِ، يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ بَصُرَ مِنْ يَثْرِبَ قُصُورَ الْحِيرَةِ، وَمَدَائِنَ كِسْرَى، وَأَنَّهَا تُفْتَحُ لَكُمْ، وَأَنْتُمْ تَحْفِرُونَ الْخَنْدَقِ، وَلَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَبْرُزُوا (دلائلَ النُّبوةِ للبيهقي (3/ 420)).