بوابة صيدا ـ في مثل هذا اليوم، الثالث من حزيران لعام 1260م، (21 جمادى الآخرة 658هـ) طُويت واحدة من أشرس ملاحم الصمود في العصور الوسطى، وسقط الحصن الذي رفض الانحناء لإعصار التتار.
من خلف غبار عشرين منجنيقاً، اقتحم المغول قلعة دمشق بعد حصار أسطوري، لينقضوا عهود الأمان بـمذبحة مروعة سُفكت فيها دماء الحامية الأيوبية واستُبيحت معالم الحصن العتيق.
تعيد "بوابة صيدا" فتح الصندوق الأسود لعام 1260 لنروي لكم كيف تحول صمود المجاهدين إلى وقود أشعل معركة "عين جالوت"، وكيف انكسر كبرياء المغول في الشام بعد أشهر قليلة من هذه الليلة السوداء!
بعد السقوط الكارثي لبغداد عام 1258م، ومذبحة ميافارقين وحلب، أصبح الصعود المغولي نحو الشام مسألة وقت.
كانت المدينة العريقة قد استعدت لمواجهة الغزو والتصدي للاحتلال، وحشد الملك الناصر كل ما استطاع جمعه من قوات، وانضمت إليه أعداد ضخمة من المتطوعين، وتألف من ذلك نحو مائة ألف مقاتل، لكنهم كانوا غثاءً كغثاء السيل، فما إن وصلت الأنباء باقتراب المغول حتى انفض هؤلاء، وأسرعوا بالفرار لا يلوون على شيء، وتركوا مواقعهم في ميدان القتال.
ولم يكن الملك الناصر أقل منهم سرعة في الفرار هو الآخر، فاتجه إلى غزة ومعه حاشيته وأسرته وأمواله تاركًا دمشق لمصيرها المحتوم، دون أن يبذل جهدًا للدفاع عنها.
دخل الجيش المغولي دمشق حاضرة الشام وعاصمة الأمويين في 2 شباط / فبراير 1260م (17 صفر 658هـ) دون مقاومة تذكر بعد فرار الملك الأيوبي الناصر يوسف، واستسلمت المدينة حقناً للدماء.
إلا أن قلعة دمشق رفضت الاستسلام والتسليم، وتحصنت الحامية بداخلها معلنة العصيان والتحدي، مما دفع التتار لضرب حصار بري محكم عليها لدك آخر معاقل المقاومة الأيوبية في الشام.
رغم العزلة التامة وانقطاع الإمدادات، سطر حماة القلعة ملحمة استبسال منقطعة النظير، فصمدت الحامية قرابة ثلاثة أشهر أمام القصف المتواصل بعشرين منجنيقاً قذف بها المغول أسوار القلعة بالشهب والنيران ليلاً ونهاراً.
و نفذ المقاتلون خلال الحصار طلعات هجومية خاطفة خارج الأسوار لإحراق آلات الحصار المغولية، وكبدوا الغزاة خسائر فادحة في الأرواح، متشبثين بالأمل في وصول نجدة من مماليك مصر.
في 3 حزيران 1260م (21 جمادى الآخرة 658هـ) وبعد قصف مدفعي مغولي مكثف أحدث ثغرات واسعة في البرج والأسوار الغربية، نفد عتاد المقاتلين واستحال الصمود، فاقتحم التتار القلعة.
رغم إعطاء المغول الأمان للحامية عند الاستسلام، غدر القائد المغولي "كتبغا" بالعهد، فأمر بإعدام القادة فوراً، و تم ذبح جميع المقاتلين والمتحصنين داخل القلعة بلا رحمة، وسُبيت النساء والأطفال.
و أمر كتبغا بهدم أسوار القلعة الحصينة، ودك أبراجها، ونهب خزائنها وسلاحها، في محاولة لطمس هيبتها التاريخية.
أحدث سقوط القلعة والمجازر التي تلتها صدمة نفسية هائلة لسكان دمشق والشام، وبدا للجميع أن قوة المغول لا يمكن صدها، مما عمق حالة الشلل السياسي المؤقت.
وبعد استيلاء المغول على دمشق، استكملوا غزوهم، فقتلوا حامية نابلس، وتقدموا إلى غزة دون أن يلقوا مقاومة تذكر، ولم يبق أمامهم بعد إخضاع الشام إلا مصر آخر معقل للإسلام في الشرق.
لم يدم انكسار المقاومة طويلاً، إذ شكلت هذه المأساة الحافز الأكبر لسلطان المماليك سيف الدين قطز و الظاهر بيبرس في مصر لتسريع وتيرة التحشيد. فجاء الرد مدوياً بعد أشهر قليلة في "معركة عين جالوت الحاسمة في أيلول / سبتمبر 1260م حيث سُحق الجيش المغولي، وقُتل القائد كتبغا نفسه، وحُررت دمشق وقلعتها مجدداً من دنس التتار.
ـــــــــــــ
إقرأ أيضاً
سليمان الحلبي يغتال الجنرال كليبر
"لورانس العرب" الذي خدع العرب لسنوات ويمجده العرب إلى اليوم..